بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
وبعد؛
فإنّ من أعجب العجب أن يُطعن في عالم أو شيخ أو داعية أو حتى طُويلب علم....
بدعوى التكسّب والضرب في الأرض لكسب الرزق الحلال...
وكأنّ من ينشر هذا أو يروّج له جهل سهوا أو تجاهل عمدا، جملة من توجيهات وتقريرات أهل العلم والشّرف، في وجوب الاستغناء عن الخلق واجتناب مسألتهم والحاجة إليهم بالضرب في الأرض لكسب الرزق...
ولا يخفى ذا بصيرة أنّ فيه اتباعٌ لما كان عليه أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، وقدوة بهم، فقد قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده، وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي.
فقال أحمد: هذا الرجل جهل العلم، أما سمِع قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي" وقوله عليه السلام حين ذكر الطير فقال: "تغدو خماصاً وتروح بطاناً" فذكر أنها تغدوا في طلب الرزق، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتّجرون في البر والبحر ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم.
بل واقتداء بالأنبياء والرسل صلوات ربي وسلامه عليهم
فمنهم من كان نجارا ومنهم راعيا وآخر حدادا وهلمّ جرّ مما لا شك أن جمهور من يدعي هذه الدعوى يعلمه ويعقله...
ففي البخاري عن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أكل أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده.
وإنه لا مذمة أبدا للكسب الحلال -وإن أكثر فيه- ما لم يتعلق به القلب أو يصرف عن أمور الآخرة
وقد كان سفيان الثوري رحمه الله يقول: كان من دعائهم: اللهم زهٍّدنا في الدنيا، ووسٍّع علينا منها، ولا تزوها عنا فترغبنا فيها.
وبيّنه ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "مدارج السالكين" أشدّ بيان، فقال:
الأصل هو قطع علائق الباطن، فمتى قطعها لم تضره علائق الظاهر. فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك: لم يضرك ولو كثر، ومتى كان في قلبك: ضرك ولو لم يكن في يدك منه شيء.
قيل لسفيان الثوري: أيكون ذو المال زاهدًا؟
قال: نعم إن كان إذا زيد في ماله شكر، وإن نقص شكر وصبر.
ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال، وإنما يُحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين:
حيث يخاف منها ضررا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة. (اه)
ولا تزال الأيام تبدي لنا ولإخواننا ما جرّته علينا الحزبيات والجمعيات وأهلها بالإغراءات والاستقطابات المالية والجاهيّة لمن عُرفوا بالدعوة والعلميّة من ويلات، وما كان أثر ذلك على هذه الطريقة المحمدية، وما مُخَلّفات أفعال جمعيّة إحياء التراث عنا ببعيد، جمعا وانتقاء وإغراء...
فإذا انتهج خواص المسلمين من طلاب العلم أو المشايخ السنيِّين السلفيين، طريق العفاف والاستغناء عمّا بين يد الناس صونا وحِفظا لما اجتباهم به ربهم من علم وحلم، صار تهمة وريبة...
غفرانك ربي
فقد صارت للأسف الشديد الممدحة في هذا الزمن الذي نُكست فيه الموازين منقصة، والميزة مثلبة...
فاللهم عفوك وعافيَتك
ولهذا أذكِّر نفسي وإخواني بشيء مما نُقِل، وجملة مما دوِّنَ وقرّرَ، عسى أن تهدأ أقلام من لم يجد حجة يرتفع بها قوله ولا بيانا ينهض به طعنه، في رجل شريف وشيخ عفيف نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله جل في علاه...
(وشيخنا وحبيبنا الشيخ نزارا حفظه الله تعالى كمثال)
فأقول مستعينا بالله:
- كان سلفنا وأئمتنا يحثّون على طلب الكسب والرزق:
قال أبو قلابة لرجل: لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد.
وعن قيس بن عاصم رحمه الله أنه قال عند الموت: يا بَنيَّ عليكم باصطناع المال؛ فإنه مَنْبهة للكريم، ويُستغنى به عن اللئيم.
وقال أبو سليمان الداراني: ليس العبادة عندنا أن تصفّ قدميك وغيرك يقوت لك ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد.
- وقرروا أن في طلب الكسب عزة عن استخفاف الناس والحاجة إليهم:
قال لقمان الحكيم لابنه: يا بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال:
رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته
وأعظم من هذه الثلاث: استخفاف الناس به.
وركب إبراهيم بن أدهم البحر فجاءت ريح عاصفة فقال أهل السفينة له رحمه الله: أما ترى هذه الشدة؟
فقال: ما هذه الشدة، وإنما الشدة الحاجة إلى الناس.
وقال أيوب قال لي أبو قلابة: الزم السوق فإن الغنى من العافية.
يعني الغنى عن الناس
وعن حماد بن زيد قال: قال لي أيوب:
الزم سوقك فإنك لا تزال كريمًا على إخوانك ما لم تحتج إليهم.
وعن قيس بن عاصم رحمه الله أنه قال عند الموت: يا بَنيَّ عليكم باصطناع المال؛ فإنه مَنْبهة للكريم، ويُستغنى به عن اللئيم. (موسوعة ابن أبي الدنيا)
- بل عدوه من عمل الأبطال وتِرسا يُتترّس به:
قال سفيان الثَّوري رحمه الله: كان المالُ فيما مضى يُكره، فأما اليوم، فهو تُرْس المؤمن. (السير)
وعن سلام بن سليم قال: قال لي سفيان الثوري رحمه الله: عليك بعمل الأبطال، الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال.
(الحلية)
- واعتبروه صونا لهم من الدنيا وأهلها:
كان عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه يقول: يا حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي.
وعن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب رحمه الله؛ أنه مات وترك ألفين أو ثلاثة آلاف دينار، وقال: ما تركتها إلا لأصون بها ديني وحسبي. (الحلية)
وقيل لأبي الزناد رحمه الله: لِمَ تُحبُّ الدراهم وهي تُدنيك من الدنيا؟ فقال: إنها وإن أدنتني منها، فقد صانتني عنها.
(السير)
وقد قالوا:
لنقلُ الصخر من قمم الجبال
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرَّجَالِ
يَقُولُ النَّاسُ لي في الكسْبِ عارٌ
فقلت العار في ذل السؤال
بَلَوْتُ النَّاسَ قرنا بَعْدَ قَرْنٍ
ولم أر مثل محتالٍ بمالِ
وَذُقْتُ مَرَارَة الأشياءِ طُرّا
فَمَا طعْمٌ أَمَرُّ مِنَ السؤالِ
وَلَمْ أرَ في الخُطُوبِ أشدَّ هولاً
وأصعب من مقالات الرجالِ
وهذا غيض من فيض
فهكذا كانوا، وهذا ما قرروا
فأين المُعاب وكيف المَعيب
حفظ الله مشايخ أهل السنة في كل مكان، وجعلنا الله وإياكم من أهل العمل الصالح والقول النافع
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
كتبه:
أبو عبد الرحمن بن موسى التونسي
راجيا التوفيق والسداد والإخلاص
دفعا وصونا لجناب العلم وحملته